فخر الدين الرازي
43
تفسير الرازي
نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) * . واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشّر به وثقته بكرم ربه ، وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق ، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال : * ( رب اجعل لي آية ) * فقال الله تعالى : * ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكره ههنا ثلاثة أيام ، وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً أحدها : أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً ، وفيه فائدتان إحداهما : أن يكون ذلك آية على علوق الولد والثانية : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله تعالى ، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ، وأداء لشكر تلك النعمة ، فيكون جامعاً لكل المقاصد . ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها : أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر ، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات وثانيها : أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات وثالثها : أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات . القول الثاني في تفسير هذه الآية : وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق ، قال آيتك أن لا تكلم ، أي تصير مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق ، أي تكون مشتغلاً بالذكر والتسبيح والتهليل معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب ، وهذا القول عندي حسن معقول ، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف . القول الثالث : روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام .